الشيخ محمد رشيد رضا
392
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن أكل شئ منه بطرق الاسراف ومبادرة كبره ، ومن الأمر بالاشهاد عليه عند الدفع ، ثم التنبيه إلى مراقبة اللّه تعالى التي تتناول جميع ذلك ومن مباحث اللفظ في الآية عنه : أن بعض النحاة يقولون إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله « وَكَفى بِاللَّهِ » زائدة والمعنى كفى اللّه حسيبا وبعضهم يقول إن الفاعل مصدر محذوف والباء حرف جر أصلى متعلق به . وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها - أو قال قعدوها - ونحن نقول إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها ، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت ، وان « كفى » فعل ليس له فاعل والجار متعلق به ومعناه أن اللّه عز وجل هو أشد من يراقب ويحاسب . وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى ولا يؤتى بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادر مثلها في حسنها فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء أقول : ويحسن أن نذكر هنا ما قاله عند الكلام على « حتى » الابتدائية وما فيها من معنى الغاية - كما تقدم - وهو : أن القواعد النحويه ونحوهاكقواعد البيان ) وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام . ولكن النحاة حاولوا ادخال كل الكلام في قواعدهم ، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال : إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظم سماعى يحفظ في اللغة ولا يقاس عليه وأقول : إن ما جاء على خلاف المشهور الشائع الذي وضعت له القواعد قسمان قسم شاذ جرى على ألسنة بعض بلداء الاعراب لا حسن فيه ، وقسم كالدرر اليتيمة انفرد به بعض البلغاء فكان له أحسن تأثير في الكلام . ويوجد كل من القسمين في كل لغة ، وما يوجد منه في كلام اللّه عز وجل هو أعلاه وأبلغه ( 6 ) لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً 7 ) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ